العيني

131

عمدة القاري

بنُ عَمْروٍ الغِفَارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ ، وَلاكِنْ أبَى ذَاكَ البَحْرُ ابنُ عَبَّاسٍ ، وَقَرَأ : * ( قُلْ لا أجِدُ فِيما أُوحِي إلَيَّ مُحَرَّما ) * ( الأنعام : 145 ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعلي بن عبيد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء البصري ، والحكم بن عمرو الغفاري بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء الصحابي وقال الكرماني : نزل البصرة ومات بمرو سنة خمس وأربعين وقال أبو عمر : بعثه زياد بن أمية على البصرة ، واليافي أول ولاية زياد على العراقين ثم عزله عن البصرة وولاه بعض أعمال خراسان ومات بها وقيل : مات بالبصرة سنة خمسين . والحديث رواه أبو داود في الأطعمة عن إبراهيم بن الحسن عن حجاج عن ابن جريج عن عمرو بن دينار بمعناه . قوله : ( يقول ذاك ) ، أشار به إلى قوله : ( نهى عن الحمر الأهلية ) قوله : ( ولكن أبى ) ، أي : منع ذلك القول . قوله : ( البحر ) ، صفة لابن عباس سمي به لسعة علمه ويراد به : بحر العلم وقال بعضهم : هو من تقديم الصفة على الموصوف مبالغة في تعظيم الموصوف . قلت : لا تتقدم الصفة على الموصوف . بل قوله : ( ابن عباس ) عطف بيان لقوله : ( البحر ) ويروى : الحبر ، سمي به لأنه كان يزين ما قاله . قوله : ( وقرأ ) ، أي : ابن عباس قوله تعالى : * ( قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرما ) * الآية . يعني : أنه استدل بهذه الآية لأن المحرم في هذه الآية ما ذكره الله فيها فتقتصر الحرمة عليها وما وراء ذلك فعلى أصل الإباحة . وفقهاء الأمصار مجمعون على تحريم الحمر الأهلية إلاَّ أنه روي عن ابن عباس أنه أباح أكلها ، وروي مثله عن عائشة والشعبي . فإن قلت : قد ذكر في أول المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة وما ذكر معهما وهي خارجة عن هذه الآية . قلت : المنخنقة وما ذكر معها داخلة في الميتة أو نقول : أن سورة الأنعام مكية فيجوز أن لا يكون حرم في ذلك الوقت إلاّ ما ذكر في هذه الآية . وسورة المائدة مدنية وهي آخر ما نزل من القرآن فإن قلت : الأحاديث التي وردت في تحريم لحوم الحمر الأهلية أخبار آحاد والعمل بها يوجب نسخ الآية المذكورة ، وهذا لا يجوز . قلت : قد خصت من هذه الآية أشياء كثيرة بالتحريم غير مذكورة فيها كالنجاسات والحمر ولحم القردة فحينئذ يجوز تخصيصها بأخبار الآحاد . وقال ابن العربي : اختلف في تحريم الحمر على أربعة أقوال : الأول : حرمت شرعا . الثاني : حرمت لأنها كانت جوال القرى . أي : تأكل الجلة وهي النجاسة . والثالث : أنها كانت حمولة القوم . الرابع : أنها حرمت لأنها أفنيت قبل القسمة . فمنع النبي صلى الله عليه وسلم ، عن أكلها حتى تقسم . قلت : ذكر الطحاوي هذه الأقوال فأخرج في القول الأول : عن اثني عشر نفرا من الصحابة في تحريم أكل الحمر الأهلية من غير قيد ، وقد ذكرناهم في ( شرحنا لمعاني الآثار ) وأخرج في القول الثاني : عن ابن مرزوق عن وهب عن شعبة عن الشيباني ، قال : ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبي أوفى في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، إياهم بإكفاء القدور يوم خيبر ، فقال : إنما نهى عنها لأنها كانت تأكل العذرة . وأخرج في القول الثالث : من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال قال ابن عباس : ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية إلاَّ من أجل أنها ظهر وأخرج في القول الرابع : من حديث عدي بن ثابت عن ا لبراء أنهم أصابوا من الفيء حمرا فذبحوها ففيه أنها كانت نهبة ولم تكن قسمت . ثم أجاب عن الأقوال الثلاثة بحديث أبي ثعلبة أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ! حدثني ما يحل لي مما يحرم عليَّ ؟ فقال : لا تأكل الحمار الأهلي رواه من حديث مسلم بن مشكم كاتب أبي الدرداء عنه ، ثم قال : فكان كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، جوابا لسؤال أبي ثعلبة إياه عما يحل له مما يحرم عليه ، فدل ذلك على نهيه صلى الله عليه وسلم ، عن أكل لحوم الحمر الأهلية لا لعلة بل كان التحريم في نفسه مطلقا . وقال بعضهم : قال الطحاوي : لولا تواتر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها لأن كلما حرم من الأهلي الحيوان أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير ، وقد أجمع على حل الحمار الوحشي فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي ثم قال هذا القائل . قلت : وما ادعاه من الإجماع مردود ، فإن كثيرا من الحيوان الأهلى مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر . قلت : دعواه الرد عليه مردودة لأنه فهم عكس ما أراده الطحاوي ، لأن مراده كلما حرم من الحيوان الأهلي ، أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا . ومثل لذلك بالخنزير فإنه مجمع على